محمد بن علي الشوكاني

5309

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وكذلك لو ذهب جمال من كان محبوبا لأجل جماله ، أو انتقض من كان محبوبا لأجل انبساط أخلاقه ، فلا ريب أن هذه المحبة من الأغراض الساقطة ، وهمه من أتعب نفسه لأجلها ، واقتحم في تحصيلها مهالك الرياء أسقط وأسقط فلم لذي الهمة الرفيعة والقدر السامي إلا اطراح الطلب لذلك ، والاشتغال بالأغراض الأخروية ، فيجعل جهاده وصدقته وتعليمه وحسن خلقه ، وسائل خصاله الخيرية لله - جل جلاله - ، ولا يبالي بمن أوصل الخير إليه أشكر أم كفر ، صدق أم غدر ، مع أنه إذا أخلص النية كان التأثير في النفوس أوقع ، وحصول المنافع الدنيوية لمن لم يقصدها أسرع ، فإن ستر المرائي مبتوك ، وحبل طالب الدنيا بأعمال الدين مبتوك ، بخلاف المخلص فإنه أخص بأعماله من أقواله وأفعاله جناب من تعد أزمة الأمور ، ومن هو المصرف لقلوب عباده كيف يشاء ، ومن نظر في سر الإخلاص علم أن من لم يخلص لم يؤت إلا من قبل نفسه ، والفطرة التي تهدي إلى الخير هي هلكة [ 5 ب ] العقل ، وبها دارت عليه دوامة التوفيق ( 1 ) .

--> ( 1 ) كلمات لا بد أن نتأملها : 1 - قال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } [ آل عمران : 103 ] . 2 - قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . أخرجه مسلم رقم ( 3638 ) وأبو داود رقم ( 3834 ) وهو حديث صحيح . وأخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 3336 ) من حديث عائشة رضي الله عنها . 3 - قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الرجل على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . أخرجه أبو داود رقم ( 4833 ) والترمذي رقم ( 2379 ) وقال : هذا حديث حسن غريب . وهو حديث حسن . 5 - عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متى الساعة ؟ قال : " وما أعددت لها ؟ " قال : لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله قال : " أنت مع من أحببت " قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنت مع من أحببت " . قال أنس : فأنا أحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم " . أخرجه البخاري رقم ( 3688 ، 6167 ) ومسلم رقم ( 2639 ) . وعن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المرء مع من أحب " . أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 6170 ) ومسلم رقم ( 2640 ) . 6 - عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " . أخرجه أبو داود رقم ( 4832 ) والترمذي رقم ( 2395 ) وأحمد ( 3 / 38 ) وابن حبان رقم ( 554 ) . وهو حديث حسن . 7 - عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه " . أخرجه البخاري رقم ( 660 ) ومسلم رقم ( 1031 ) وأحمد ( 2 / 439 ) والترمذي رقم ( 2391 ) قال ابن عبد البر في " التمهيد " ( 2 / 282 ) : هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأعمها وأصحها إن شاء الله ، وحسبك به فضلا لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف . ومن المعاني المشتركة بين الفئات السبعة : 1 - ) : الرغبة والرهبة من الله وفي الله . 2 - ) : مراقبة الله والإخفاء عن الناس . 3 - ) : ارتباط هذه الأجناس بعضها وتأثير بعضها في بعض . 4 - ) : اشتراكهم في مخالفة هواهم . فما عليك إلا أن تعمل جاهدا على أن تكون منهم ومعهم لتأمن هول الموقف وتحشر معهم فأعد العدة للفردوس الأعلى . . . والله خير معين .